عزيزي الأب، عزيزتي الأم.. إن اكتشاف قيام طفلك أو مراهقك بأخذ أشياء ليست له هو بلا شك صدمة عاطفية ثقيلة تثير في نفوسكم مشاعر الغضب، الخوف، والشعور بالفشل في التربية.
وفي كثير من الأحيان، يكون رد الفعل الفوري هو اللجوء إلى أساليب التعنيف مثل الضرب، العقاب الصارم، الحرمان، اللوم، أو التشهير.
لكن الحقيقة العلمية الصادمة التي يجب أن تعرفوها هي أن أساليب التعنيف هذه لا تحل المشكلة قط، بل تساعد على تثبيتها، وتفاقمها، وتحولها إلى عقدة نفسية أكبر.
هذا المقال ليس مبرراً للسلوك، بل هو مرجعكم العلمي الأول لفهم طبيعة ما يمر به ابنكم؛ ففي كثير من الأحيان، لا يكون الأمر "سرقة عادية" بدافع الطمع أو غياب التربية، بل قد يكون اضطراباً نفسياً اندفاعياً خارجاً عن إرادتهم يحتاج إلى مشرط الطبيب وعين الأخصائي، وليس إلى سوط العقاب.
ما هو هوس السرقة (Kleptomania)؟ التعريف والتصنيف الحديث
وفقاً لأحدث الأدلة الطبية والنفسية كالدليل التشخيصي والإحصائي الخامس (DSM-5) والتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، يُعرَّف هوس السرقة (الكليبتومانيا) بأنه اضطراب نفسي يقع تحت مظلة اضطرابات التحكم في الدوافع والاندفاعية (Impulse Control Disorders).
والسمة المركزية والأساسية لهذا الاضطراب تتمثل في:- فشل متكرر في مقاومة النزوات والاندفاعات القهرية لسرقة أشياء: هذه الأشياء غالباً لا يكون الطفل أو المراهق بحاجة شخصية إليها، ولا يسرقها من أجل قيمتها المادية أو بغرض تحقيق مكاسب مالية. (على سبيل المثال: قد يسرق المراهق أقلاماً أو أغراضاً بسيطة رغم أن مصروفه كافٍ تماماً لشراء أفضل منها) .
- الدورة العاطفية للاضطراب: يمر المصاب بثلاث مراحل شعورية متتالية ودقيقة جداً:
- قبل السرقة: يشعر بتصاعد حاد في التوتر العاطفي والإثارة النفسية الداخلة.
- أثناء السرقة: يشعر بلذة عارمة، وراحة، وإشباع فور ارتكاب الفعل.
- بعد السرقة: بمجرد انتهاء السلوك، تهاجمه فوراً مشاعر قاسية من الذنب، والندم، والخزي، والعار، مما يجعله يخفي ما سرقه أو يتخلص منه.
هوس السرقة في طيف (الاندفاعية - القهرية)
تُظهر الدراسات الحديثة لعام 2025 أن هوس السرقة ليس مجرد اندفاع بسيط، بل هو اضطراب معقد يجمع بين سمات الاندفاعية (التصرف دون تفكير في العواقب السلبية) وسمات القهرية (تكرار الفعل بشكل قهري للتخلص من القلق والتوتر).
هذا التداخل يجعله يتقاطع حيوياً وبيولوجياً مع اضطرابات أخرى مثل الوسواس القهري (OCD) واضطرابات الأكل (EDs)
لماذا يصاب الأطفال والمراهقون بهوس السرقة؟ (الأسباب العلمية)
تتداخل عدة عوامل نفسية وعصبية وبيئية لتشكل هذا الاضطراب في سن الطفولة والمراهقة، وتتلخص حسب أحدث المعطيات في:- خلل النواقل العصبية والوراثة: تشير الأبحاث إلى وجود روابط بيولوجية ووراثية؛ حيث تزداد معدلات الإصابة باضطرابات طيف الوسواس القهري أو إدمان المواد لدى الأقارب من الدرجة الأولى للمصابين بهوس السرقة. كما يرتبط الاضطراب بخلل في تنظيم الدوبامين (المسؤول عن نظام المكافأة واللذة) والسيروتونين في الدماغ.
- الارتباط باضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة (ADHD): أثبتت التقارير العيادية الحديثة وجود ارتباط وثيق في بعض الحالات بين هوس السرقة واضطراب الـ ADHD لدى المراهقين. فالطفل الذي يعاني من ضعف شديد في وظائف التحكم التنفيذي بالدماغ والاندفاعية الناتجة عن الـ ADHD يكون عاجزاً بيولوجياً عن كبح جماح رغبته المفاجئة في السرقة.
- الهروب من المشاعر السلبية وسيلةً للمواجهة: يُعد السلوك أحياناً استراتيجية غير تكيفية مشوهة يلجأ إليها المراهق للتعامل مع مشاعر الكبت، والتوتر، والقلق، والإحباط، أو الاكتئاب. السرقة هنا تمنحه شعوراً مؤقتاً بالسيطرة والإشباع ينقذه من الضيق النفسي الذي يعجز عن التعبير عنه.
- السمات الشخصية (تجنب الضرر والبحث عن التجديد): أظهرت القياسات النفسية الحديثة أن الأشخاص المصابين بهوس السرقة النقي يسجلون درجات مرتفعة جداً في سمة "تجنب الضرر" (Harm Avoidance)، وهي سمة مرتبطة بالقلق والبحث عن الأمان، بجانب سمة "البحث عن التجديد والإثارة" (Novelty Seeking).
طرق العلاج الحديثة (كيف يتعافى الأبناء؟)
تؤكد الدراسات أن هوس السرقة يظل لسنوات طويلة دون تشخيص بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية والخجل. العلاج لا ينبع من المنزل وحده، بل يتطلب تدخل خطة علاجية مهنية ثنائية:1. العلاج النفسي والسلوكي (الركيزة الأساسية)
يُركز العلاج السلوكي المعرفي (CBT) الحديث في هذه الحالات على تدريب الطفل أو المراهق على مهارة "مقاومة ومنع الاستجابة الفورية" عند هجوم فكرة السرقة، دون وضعه في مواقف إغراء مباشرة قد تفوق قدرته على التحمل. وتتضمن الخطة:
استراتيجية تأخير الاندفاع (قاعدة الـ 15 دقيقة): يُدرب الأخصائي النفسي المراهق على أنه عند حدوث الاندفاع المفاجئ أو إلحاح فكرة السرقة، لا ينبغي عليه الاستسلام فوراً، بل يلتزم بـتأجيل الفعل لمدة 15 دقيقة كاملة.
تشتيت الانتباه وسلوكيات البديلة: خلال دقائق الانتظار الحرجة هذه، يتعلم الابن سلك سلوك بديل تماماً لتفريغ شحنة التوتر، مثل: ممارسة تمرين تنفس، أو تغيير المكان الذي يتواجد فيه فوراً، أو الانشغال بنشاط حركي حتى تخمد نوبة الاندفاع وتتلاشى تلقائياً.
تفريغ الأفكار بالكتابة: يُنصح المراهق في هذه الدقائق بكتابة الفكرة والمشاعر التي يمر بها في دفتر خاص، مما يساعد عقله التحليلي على العمل وإدراك الموقف بدلاً من الانصياع الأعمى للنزوة.
الاتفاق مع المعالج النفسي: يتم تحديد خطط طوارئ مسبقة وسلوكيات بديلة مخصصة لكل طفل بالتعاون بينه وبين المعالج، بحيث يعرف الطفل بدقة ماذا سيفعل في اللحظة التي تهاجمه فيها الرغبة.
2. العلاج الدوائي الحديث (تحت إشراف طبيب نفسي)
في كثير من الأحيان، لا يأتي هوس السرقة منفصلاً، بل يكون مصاحباً لاضطرابات أخرى مثل تشتت الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، أو اضطرابات المزاج والقلق. وهنا يأتي الدور المحوري لـ الطبيب النفسي (وليس الأخصائي) لتقييم الحالة وبيان مدى حاجتها للتدخل الدوائي:
- ضبط كيمياء الدماغ: تُشير الدراسات العيادية الحديثة إلى أن العلاج الدوائي يساعد بشكل فعال في تحسين وظائف القشرة الجبهية للدماغ المسؤول عن كبح الجماح وتنظيم النواقل العصبية المرتبطة بنظام المكافأة والاندفاع.
- علاج الاضطرابات المصاحبة: يسهم التدخل الطبي في علاج الأسباب الجوهرية المغذية للاندفاع؛ فعندما يتم السيطرة طبياً على أعراض الاضطراب المصاحب (مثل فرط الحركة أو القلق الحاد)، تنخفض بالتبعية حدة النزوات والاندفاعات القهرية نحو السرقة.
- تنبيه هام: تحديد نوع الدواء، الجرعات، ومواعيد تناوله هي مسؤولية طبية خالصة وتختلف من طفل لآخر بناءً على الفحص الطبي الدقيق، ولا يجوز بتاتاً تجربة أي خطة علاجية دون تشخيص مباشر من الطبيب المختص.
رابعاً: خطة عمل عملية لأولياء الأمور (ماذا تفعل الآن؟)
إذا لاحظت هذا السلوك على طفلك، اتبع فوراً الخطوات التالية:- أوقف التعنيف واللوم فوراً: تذكر أن الضرب والعقاب لن يمنع الاندفاع البيولوجي، بل سيزيد من مشاعر الخزي ويجعل الطفل أكثر مهارة في إخفاء السلوك والكذب.
- التوجه الفوري لطبيب نفسي: الخطوة الأولى هي العرض على طبيب نفسي متخصص لتقييم الحالة، وتشخيص ما إذا كان الاضطراب مصاحباً لـ ADHD أو قلق أو اضطراب آخر، لتحديد ما إذا كانت الحالة تحتاج تدخلاً دوائياً يضبط كيمياء الدماغ.
- الالتزام بجلسات العلاج النفسي مع الأخصائي: بعد التقييم الطبي، يأتي دور الجلسات السلوكية مع الأخصائي النفسي لبناء مهارات التحكم، وتعديل السلوك، ومساعدة الأسرة عبر التدخلات القائمة على العائلة لدعم تعافي الابن.
موقع ابداع - محتوى علمي موثق لبناء أسرة صحية ونفسية سليمة.

